تقاريرسلايدر

خاص جدا ..العندليب .. مذكرات بقلم عبد الحليم حافظ

لقد بدأت حياتي بمأساة.لم اولد وملعقة من فضة,او شوكة من ذهب في فمي,لقد ولدت وفي فمي ملعقه من الشوك.
فلقد ماتت امي…قبل ان اراها,ومن اجل ان تكتمل حلقات المأساة,مات ابي بعد امي بأسبوعين,الام اولا ثم الاب,تماما كما يفعل طائر البجع العظيم,فحينما تموت الانثى,يحزن عليها الذكر,ذلك الحزن الذي يفضي الى الموت,وهكذا مات ابي.

وكان لا بد ان ننتقل انا واخوتي الاربعة الى الزقازيق,لم يكن امامنا,الا ان نطرق باب خالنا الموظف,وذي الدخل المحدود.
اريد ان اسجل هنا ,انني وصلت الزقازيق,ومن قريتنا(الحلوات)ولم يكن عمري يتجاوز الاربعة اشهر.
كانت زجاجة الحليب لا تزال في فمي,وكان حليبا ممزوجا بالخل,فالطفل رغم انه لا يعي,حينما يفقد اباه وامه معا,الا انه يحس احساسا بطانيا بالفاجعة,يحس انه قد انكسر من الداخل,ويحتاج الى سنوات طويله لكي يضمد الجرح او الكسر.

هكذا بدأت حياتي اذا ,بدأت بتضميد الجرح.ان شريط ايام الطفولة,يمر كما تمر الظلال فوق ارصفة شوارع الحياة,والظلال لا تتجمد ابدا ولا تتحجر,انها تسير دائما الى الامام,انها تتبع الرجل الذي يسير.
وها انذا احاول ان التقط من فوق ارصفه حياتي,بعض الظلال لاقدمها الى القاريء…
انا لا اكاد اذكر حتى وجه خالتي,التي تولت شؤون تربيتي,بعد وفاة امي,لماذا ينسى الطفل كل الوجوه؟
ان مأساتي تشبة مآسي كل الاطفال,فهم يتذكرون الايدي التي تمتد لهم بالحلوى,وينسون الوجوه التي تبتسم من اجلهم.

كانت خالتي تحدثني دائما عن وجهي,كانها لا تذكر غير هذا الوجه,وكان الشيء الوحيد المميز في حياتي,هو وجهي.هل يمكن ان يتصور القراء مأساتي,انا الذي ادين بشهرتي,لصوتي,لم يكن اي صوت مميز,بل كان لي ذلك الوجه المميز.
ولكن ما الذي كان يجذب للعيون,الى وجهي فالكلمة وكما تقول خالتي,كان الحزن هو الذي يجذب الى العيون,كما يجذب حجر المغناطيس اليه الابر من الفولاذ.
كنت حزينا من اللحظة الاولى,او من العام الاول.كأنني كنت احس,وانا لا اعي,انني فقدت امي اولا,ثم فقدت بعدها ابي.
كان خالي رحيما بي,كان بامكانه ان يلقي بي في احد اركان حجرات البيت,ولا يرسل بي الى المدرسه.فلقد كان موظفا بدخل محدود.
ومع ذلك ارسل بي خالي الى المدرسه,ارسل بي الى اهل(الكتاتيب)وفي الكتاب,بدأت اتعلم القراءة والكتابة,وانا طفل في الرابعة من عمري.
هل تصدقون ان الخوف,كان بدء المعرفه بالنسبه لي,فلقد كنت اخاف من (عريف الكتاب),حتى لا ينهال علي بكفه.كما كنت اخاف من شيخ (الكتاب),حتى لا ينهال علي بعصاه.
ذات يوم حاولت ان اهرب لاول مرة في حياتي,اقد ضقت بحياة الكتاب,ضقت بالشيخ وبصبيه الذي يسمونه العريف,واردت ان اهرب,كنت اريد ان امارس طفولتي بكل ما فيها من عبث كما يمارسها كل الاطفال,وللوهلة الاولى خيل الي وانا اسير بمحاذاة الخط الحديدي,انني لن اتوه ابدا,وانني استطيع العودة ثانية الى القرية.ولكن الذي حدث انني وجدت نفسي في قريه ثانيه,في قرية غريبة تماما عني ولا اعرفها.

ولقد بكيت,ماذا يفعل الطفل حينما يضيع غير ان يبكي.لا بد ان ينادي الطفل في حالة الضياع عن امه وينادي على ابية.فرحت انادي عليهما,وهما كانا تحت التراب,هل يوجد افظع من هذة المأساة,ان يقوم الطفل بالنداء على شيء مفقود.

ولقد ظللت ابكي حتى اغمي علي,وصحوت على يد امرأة تحملني,كان الوجه الاول الذي لن انساه طيلة حياتي,رغم انني قد نسيت الاسم.لقد حملتني تلك المرأة الطيبه الى بيتها.وبعد ان اطعمتني والطفل يأكل من يد غير يد امه_سألتني عن القريه التي جئت منها_الزقازيق_ وكان اسم البلدة هو اول الخيط الذي امسكت به السيدة لتعود بي الى بيتي.

كان خالي مدفوعا بحب خالتي لي,يطوف الشوارع ويستأجر المنادين,لكي ينادوا على طفل ضائع..وارجعتني السيدة الطيبى الى الزقازيق..عرفت حينما كبرت ان المكافأة التي تطلبها هي شيء واحد,ان لا اعود الى الكتاب,ان لا اعود الى عكاز الشيخ,ولا الى يد العريف في كتاب الشيخ وهكذا كان.

لم اعد اذهب الى الكتاب,واحضر لي خالي مدرسا خاصا ليقوم بتعليمي,حتى اكون مؤهلا لدخول المرحله الابتدائية,وهذا ما تم بالفعل,فلقد التحقت بالسنة الابتدائيه وانا لم اتم السادسة من العمر.

خلال تلك المرحلة,في المدرسة الابتدائية,وقع لي حادث,كاد يغير مجرى حياتي كلها.كدت افقد ساقي وانا كنت على استعداد ان افقد اي شيء الا ان افقد ساقي,فأنا اكره ان اعرج وان اسير على عكاز,كنت اكره العكاز تماما..

غير انني سلمت من العجز,نجوت من ذلك الباب الخشبي الذي سقط فوقي..وتحول ذلك الباب من باب يسقط فوقي الى باب يفتح امامي..وهذا ما حدث..
هل يمكن ان استريح الان قليلا..
الى الفصل الثاني اذا..
كان صوت محمد عبد الوهاب هو المغامرة الاولى في حياتي..وبعده بدأت الموسيقى,تقوم بدورتها الدمويه في شراييني.

2 of 8

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق